• ×

23:51 , الجمعة 24 مارس 2017

حديث جلالته لصحيفة الأهرام ووكالة أنباء الشرق الأوسط (المصرية)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
جريدة عُمان
2 ابريل 1988

كان لقائي الثاني معه في مدينة صلالة التي تقع على بعد ألف كيلو متر من العاصمة مسقط فلقد أرسل السلطان قابوس بن سعيد إحدى طائرات الخاصة لتنقلنا.. وزير الإعلام صفوت الشريف، ورئيس مجلس إدارة وكالة أنباء الشرق الأوسط الأستاذ مصطفى نجيب، وأنا من مسقط التي وصلنا إليها من قطر إلى منطقة صلالة التي تتميز بدفئها شتاءً واعتدال جوها في شهور الصيف القائظ لكي نلتقي به في قصره هناك.. أما لقائي الأول معه فلقد كان منذ أكثر من ثلاثة أعوام في قصرالسيب القريب من العاصمة مسقط في وقت لم تكن فيه علاقات دبلوماسية مع دول عربية سوى مع الأردن، التي كانت قد أعادت العلاقات قبلها بأسابيع،ومع الدول العربية الثلاث التي احتفظت بعلاقاتها مع مصر، ولم تقطعها أبدا في أي مرحلة من المراحل، بعد عاصفة اتفاقات كامب ديفيد وهي عمان والسودان والصومال، وأذكر أني حين أعادت الأردن علاقاتها مع مصر قد كتبتُ مرحباً بالعودة ومحييا شجاعة الملك حسين لاتخاذ القرار ومذكرا في نقس الوقت بالدول التي احتفظت بعلاقاتها مع مصر في أصعب الظروف.
وأعتقد أني أحتاج – وقد أعدت معظم الدول العربية علاقاتها مع مصر سوى قلة تُعد على أصابيع اليد الواحدة – لأن أُعيد التفكير في محنته والدول الشجاعة.. الدول العربية.. عودة إلى مصر..في نفس الوقت الذي نرحب فيه ونحيي كل الدول العربية التي عادت إلى مصر وعادت مصر إليها.. وفي لقائي الثاني معه بقصر صلالة.. وكان الحب الكبير..السلطان قابوس وهو يتكلم عن مصر.. ولا يرضى بعبارة عن العلاقات المصرية – العُمانية تصويرا لهذه الصلة لأنها ليست كافية في رأيه للتعبير عما يجمع البلدين من صلات ووشائج عميقة وحية ومتصلة.. ووحدة المستقبل.. وكان السلطان قابوس حين قابلته عائدا لتوه من جولة في أقاليم عُمان الشاسعةاستغرقت منه شهرا أقام في كل منها بضعة أيام والتقى خلالها بالمواطنين وبحث مشاكل كل إقليم على الطبيعة، ثم أصدر توجيهاته عقب عودته إلى الوزراء بأن يتبعوا تنفيذ المشروعات بأنفسهم في هذه الأقاليم فهو من المؤمنين بضرورة نزول المسؤول الكبير إلى أرض الواقع ليسمع ويرى ويتابع بنفسه ما يتحمل أداءه من مهام.. وهكذا جرى الحوار بيني وبين جلالته في قصر صلالة.

العلاقات بين السلطنة ومصر عميقة وأبدية
سؤال: العلاقات بين مصر وسلطنة عُمان، علاقات متميزة دائما. بماذا تصفون العلاقات بين البلدين في الوقت الحاضر؟
جلالة السلطان المعظم: إن العلاقات بين مصر وعثمان علاقات صلبة بين أخوة أشقاء وفي الحقيقة فإن العلاقات بين البلدين لا يمكن إيجاد الكلمة الدقيقة التي تعبر عنها وهي علاقات عميقة تفوق كل وصف، وهي علاقات أبدية، ويمكن القول: إنها في الوقت الحاضر أقوى من أي وقت مضى.. إن سلطنة عُمان كانت حريصة دائما بأن تقوم بدورها لخدمة المصالح العربية والمصالح الثنائية بين مصر وعُمان. ولقد كنا دائما في أي فرصة تتاح لنا نذكر إخواننا العرب بأن العلاقات العربية هي علاقات مصيرية وأبدية يجب دعمها باستمرار ويجب تجاوز أي صعاب أو عقبات تعكر صفو هذه العلاقات.. والآن – والحمد لله – هناك تفهم كبير واضح وبين فقد عادت العلاقات الطبيعية بين كل العرب ومصر فيما عدا أربع دول فقط. وهذا في حد ذاته يمثل نضجاً في التفكير العربي ونرجو أن يزيد هذا النضوج أكثر فأكثر.


يجب أن ننظر للأمور بالعقل وليس بالعاطفة
سؤال: ماذا يقول جلالة السلطان قابوس لككل من العراق والإيران؟ وماذا يقول للأمة العربية بشأن وقف الحرب اللعينة بين البلدين؟
السلطان قابوس المعظم: أقول للعراق، أرجو ألا ترتكب أفعالا تُفْهَم خطأ من الآخرين. وأقول لإيران: إن استمرار الحرب ليست في مصلحة الشعب الإيراني، وأرجو أن تقبل المساعي السلمية لإنهاء هذه الحرب، التي استمرت أكثر من 8سنوات والتي استنزفت قوى البلدين ودمرت اقتصاديتهما. وأقول للأمة العربية: يجب أن نتضامن وأن ننظر ظغلى الأمور بعقلانية؛ ننظر إليها بالعقل وليس بالعاطفة. يجب أن ندرس أمورنا دراسة عميقة وألا نتخذ أي قرارات إلا بعد قناعة تامة.. يجب ألا تتخبط وألا تتضارب قراراتنا. بمعنى: أنه يجب ألا تتخذ أي قرارات عشوائية قد تضر بالموقف العربي في وقت لاحق..




حرب المدن لها انعكاسات سلبية على الحرب العراقية – الإيرانية
سؤال : ماهي رؤية جلالتكم بالنسبة لاستمرار حرب المدن بين العراق وإيران؟
جلالة السلطان المعظم:إن حرب المدن يجب أن تتوقف على الفور ويجب أن تنفصل عن الحرب ذاتها مهما كان الأمر؛ فحرب المدن شيء مقبول على الإطلاق لدى كل شعوب العالم، إنها شيء خطير، لا منطق في استمرار الحرب وازدياد اشتعالها بدلا من محاولات استيعاب الموقف تمهيدا لإنهاء الحرب وإحلال السلام.


الحرب العراقية – الإيرانية قضية تهيم العالم
سؤال: هل يعتقد جلالة السلطان أن قمة ريجان – جورباتشوف المرتقبة سوف تتناول قضية وقف الحرب العراقية – الإيرانية؟ وهل تعتقد جلالتكم أنا سوف تكن من ضمن الأولويات التي يبحثها العملاقان؟
جلالة السلطان المعظم: أعتقد أنها ستكون هناك مساومات كثيرة في هذا اللقاء، وعند بحث العملاقين للمنازعات الإقليمية بالذات وبالتالي فإنه في اعتقادي عند بحث الحرب العراقية الإيرانية يمكن أن تختلف الآراء حول أهميتها وخطورتها أو في وضعها على قمة أولوياتهما لذلك فإني أناشد العملاقين بضرورة وضع قضية الحرب العراقية – الإيرانية على جدول أعمالهما لأنها قضية تهم العالم كله و تنعكس آثارها على السلام العالمي المنشود... إنني أطالب الأمة العربية بأن تؤكد للعملاقين أن عليهما مسؤولية كبيرة وأن تضع جميع إمكانياتها لوقف هذه الحرب لدعم السلام العالمي، ويجب أن تطالب الأمة العربية أيضا العملاقين بأن يعطيا أولوية لهذه القضية التي استنفدت قوى البلدين الجارين المسلمين، وفي الوقت نفسه، فإنها تهدد مصالح القوتين العظيمتيين وأصدقائها مصالح متعددة سوف تتأثر باستمرار هذه الحرب.


الانتفاضة الفلسطينية.. تلقائية
سؤال: تعلمون جلالتكم أن هناك أربعة أطراف معنية مباشرةً بالقضية الفلسطينية هي: منظمة التحرير والأردن وسوريا ولبنان.. ماذا تقولون لهذه الأطراف لتطوير واستثمار انتفاضة أهل الأرض في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟
جلالة السلطان المعظم: إن انتفاضة أهل الأرض هي انتفاضة تلقائية.. وهي أفضل تعبير للعالم عما يعنيه الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة من ظلم وقمع ويأس. وهي في رأيي أفضل طرح للقضية على المستوى العالمي على مدى الأربعين عاما الماضية، فهي أفضل من جميع الأبواب التي طرقناها على الساحة السياسية طوال هذه الفترة، فلقد جعلت الرأي العام العالمي يشعر بالمأساة الحقيقية التي يعيشها الشعب الفلسطيني على أرضه المحتلة.. والحقيقة التي لا جدال فيها إن الانتفاضة الشعبية الفلسطينية جاءت نتيجة ليأس فلسطيني الداخل من أن العالم العربي لم يستطع إحداث أي تغيير في الموقف المتدهور طوال الفترة الماضية فخرجوا يعبرون عن أنفسهم بانتفاضة الحجارة تعبيرا عن رفضهم للظلم والقهر الذي عاشوا فيه بلا أمل منظور.
وإني أكون واضحا في أنه لا يجب استغلال هذه الانتفاضة العظيمة لتحقيق أهداف سياسية خاصة لصالح أطراف معينة خارج إطار أصحاب القضية أنفسهم. إن علينا واجبا هو دراسة الطرق والوسائل التي تساند أصحاب القضية الحقيقية ودراسة الإمكانيات المتاحة في الوقت الحاضر لمساندة هذا الشعب الأعزل دون أن نعطي للجانب الآخر فرصة لوقف أو عرقلة هذه المساندة العربية. وفي رأيي إن أفضل وسيلة هي استمرار اطلاع العالم على حقائق ما يجري ولسنا في حاجة لمن يعرفنا بحقائق المور، ولكن علينا أن نطلع باستمرار الرأي العام العالمي على حقائق الأحداث الدامية والمأساوية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة وعلينا أن نسلط الضوء على قضية الانتفاضة فسواء في الولايات المتحدة أو في العالم الغربي أو في أمريكا اللاتينية، وهي الدول التي تعيش فيها الجاليات العربية وأيضا الجاليات اليهودية ليعلموا الحقيقة والمأساة دون أي تزييف.. إن ذلك كله يجب أن يتم من خلال حملة إعلامية عربية مدروسة وأن تعد هذه الحملة بذكاء وبأن تخاطب شعوب هذه الدول باللغة التي يفهمونها، ولا تكون وفقاً للوسائل والطرق القديمة التي تعودناها في فترات سابقة.. وفي النهاية أعود لأقول إنه لا يجب أن يدعي أحد لنفسه دورا في هذه القضية حتى لو كان له دور فلا يجب أن يستخدمه لمصالحه الشخصية.. أما عن الأطراف المعنية فإنه يجب أولا أن يلتقي الفلسطينيون والأردنيون لوضع تصور متكامل يحقق المصلحة القومية العليا وبالتالي يجب التنسيق مع سزريا ولبنان ويجب أن لا ننسى لبنان رغم متاعبه وكذلك التنسيق مع مصر التي يمكنها مساعدة الجميع وفقاً لتجاربها ودورها. إن الأطراف المعنية عندما تكون فيما بينها رؤية واضحة فإن على الأمة العربية كلها أن تبارك هذه الرؤية وأن تساندها وتؤازرها بكل الوسائل والطرق.


يجب أن نعطي للانتفاضة فرصتها
سؤال: ماهي رؤية جلالتكم في إمكانيات عقد قمة عربية عاجلة؟ وماهي جدواها؟
جلالة السلطان المعظم: إن عقد قمة عربية عاجلة الآن غير مجدٍ على الإطلاق فيجب أن نعطي للانتفاضة فرصتها لاكتمال فعاليتها وردود فعلها ليتسنى لنا دراسة الصورة الكاملة. إن هناك أمورا كثيرة لم تكتمل على الساحة فلابد من الانتظار فترةً أخرى تتبلور الأمور كاملةً خاصةً أن مؤتمر القمة مطالب باتخاذ قرار ووالقرار بطبيعة الحال يحتاج إلى جهد وتشاور اللذين يحتاجان إلى وقت لاكتمال الرؤية الواضحة, ومن ناحية أخرى فإن هناك الآن جهودا امريكية لمحاولة حل القضية الفلسطينية من جوانبها المختلفة يجب علينا استثمار إيجابياتها واستبعاد سلبياتها لما فيه مصلحة القضية.


تجربة مجلس التعاون جاءت في منطقة متشابهة
سؤال: ماهو تقييمكم لتجربة مجلس التعاون وإمكانية تحقيقها في مناطق جغرافية عربية أخرى؟
جلالة السلطان قابوس: إنني راضٍ عن هذه التجربة وسعيد بما حققته حتى الآن فهذه التجربة كانت في الواقع في منطقة متشابهة في نظمها السياسية ومقوماتها الاقتصادية ومتشابهة في تركيبتها الاجتماعية ومن الطبيعي أن يأتي كُلٌ متأثرٌ برأيه إلى هذه السبلة وتكون هي مثار النقاش، ونبدأ بما تم الاتفاق عليه حتى لا تتعطل المسيرة.. وفي نفس الوقت يتم البحث في النقاط التي لم يتم الاتفاق عليها ولسنا في عجلة فيما لم يتم تنفيذه في هذا العام حيث يمكن أن يتحقق في العام الذي يليه أو في مرحلة لاحقة.. أما في مناطق عربية أخرى يصعب توفير العناصر التي تتوافر لدول مجلي التعاون الخليجي ولكن إذا كانت الثقة موجودة بين الدول في منطقة عربية (ما) فيمكن تحقيقه وبطبيعة الحال سنباركه ونؤيده.

تناقضات في العالم العربي
سؤال: ما هو رأيكم في تجربة الجامعة العربية، وهل تعتقدون إمكانيات نجاحها في ضوء تركيبتها الحالية؟
جلالة السلطان قابوس: إن هناك تناقضات في العالم العربي ككل.. تناقضات سياسية ودستورية واقتصادية واجتماعية.. وهناك صعوبة في التوفيق بين هذه التناقضات.. وهذه التناقضات يمكن التغلب عليها إذا صدق العرب مع أنفسهم وإذا تركوا كل النظريات السياسية جانباً ونظروا نظرة واقعية لأمورهم ونبذوا الخلافات العقائدية التي تفرق وبحثوا عن نقاط الالتقاء التي تجمع بينهم. إن علينا أن نبني الثقة أول بين الأطراف المختلفة، وعلينا أن نتصارح في كل الأمور ولا أُبالغ إذا طالبت بعقد اجتماع بيننا في مكان عن الرسميات نتحدث فيه جميعاً عن كل خلافاتنا بكل صراحة وقوة إلى أن تزول هذه الخلافات.
المشكلة ليست في القادة.وأقول بصراحة أكثر إن المشكلة ليست في القادة أو كبار المسؤولين في الدول العربية. ولكنها تكمن في الحقيقة في المحللين والمنظرين والعقائديين الذين يرفعون تقاريرهم وتوصياتهم إلى الملوك والرؤساء وكبار المسؤولين العرب. إنهم هم المشكلة الحقيقية وهم الذين يقفون وراء تفاقم الخلافات، كما إن بعضهم يضع الشكوك في أفكار رؤسائهم حيث هم الذين يرفعون التقارير ويضعون الخلفيات التي تمثل أحيانا آراءهم وعقائدهم الشخصية. لذلك فإنه في رأيي أيضا أن هؤلاء المعاونين عليهم أن يجتمعوا سويا للتفاهم والمصارحة دون قيود لتطوير فكرة التوفيق بين الأشقاء واستخدام كل الوسائل لتحقيق التضامن العربي، بدلا من تفريق الأمة وتمزيقها وتشتتها.. أما عن العربية فإن استمرار وضعها الحالي لايمكن الاكتفاء به ولذلك فإنه لابد من تطويرها لترقى إلى مستوى المسؤوليات التي لابد أن نواجهها، ولا يجب أن تستمر الجامعة العربية أسيرةً للماضي وتجاربه المريرة الفاشلة. ويجدر بي أن أشير هنا إلى أن الجامعة العربية الآن غير مكتملة، ولا يكتمل للجامعة بنيانها وقوتها بغير مصر التي يجب أن تشغل مكانها الطبيعي فيها.

بواسطة : الإدارة
 0  0  282