• ×

19:36 , السبت 3 ديسمبر 2016

سلطنة عُمان في عيدها الأربعين .. نَيْلٌ للحَدث والديمومة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تَرْفِلُ سلطنة عُمان هذه الأيام في عيد استقلالها الأربعين. بالتأكيد فإن الأزمنة (وحتى الأعمار) ليست مسكوكة بزمنٍ مُطلق، وإنما بزمنٍ فيه من الأحداث ما يوازي زَمَنِيَّته الفاعلة. وفي أحيان كثيرة، تُصبح بدايات الأزمنة مَمْهُورةً بحدث أصيل (أو بعدّة أحداث حتى)، تجترّ من لُبِّهِ صعودها وتطورّها. لذا، فقد أصبح الزّمن العُماني الفاعل مشدوداً بحقبة تولّي حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم مقاليد الحُكم في الثالث والعشرين من يوليو/ تموز من العام 1970.

ليس ذلك بقولٍ خارج المنطق، بل هو واقع مُثبَت. إنني أقرأ التاريخ جيداً. ولأن تجارب الأمم والدول هي العُمدة في وصف ما نحن بصدده، فإنني أنْبِشُ من تجارب البشر ما يُؤكّد هذا الحديث. في بريطانيا يتذّكر التاريخ ثورتها البيضاء واستقرار العرش فيها، كما يُتَذكّر قرارات هنري الرابع في فرنسا بشأن التسامح. وفي هولندا وبلجيكا والولايات المتحدة تبرز ثورتهم كحدث أصيل في مشوار الدولة والتنمية.

هذه مقدّمة واجبة. لكن ما يهمّ من كل ذلك في الشأن العُماني ليس الحدث في حدّ ذاته، وإنما ديمومته واتصال قدحته الأولى بمشوار زمني يمضي في البناء. فحين يُصبح منتَظَمَاً تاريخياً يُشهَد له على أنه منعطف مهم، وعلى أنه مسار ونَسَق. ذَهَبَ الميثاقيون في بريطانيا واليعاقبة في فرنسا ومعهم روبسبيير لأنهم لم يتحوّلوا إلى نمط سياسي، وإنما كانوا جزءاً من قاطرة بُتِرَت تأثيراتها على الزمن الأوربي. هذه لازِمة أصيلة لِدَالَّة الأحداث الكبيرة التي تجري.

بالرجوع إلى حال سلطنة عُمان نجد أن نَيْلهَا للحالتَيْن أمر مُتحقّق. الحدث والديمومة. وقوع الحدث (عيد النهضة في 23 يوليو/ تموز وهو يوم تولّي جلالة السلطان قابوس الحكم ولاحقاً العيد الوطني في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني) أسّس لبداية مرحلة جديدة في عُمر الدولة العُمانية، إلى الحدّ الذي جَبَّ فيه ما سَبَقَه من تاريخ، أو على الأقل فَاضَلَ بين واقع سابق وآخر لاحق، انتصر فيه الأخير نَصراً نظيفاً بالإنجاز، ووضوح الرؤية، والبناء التدريجي المُحكَم، وصناعة مشروع الدولة.

أما في الديمومة، فإن مَلمحها هو البناء والتنمية، وهو أمر مُتحقق لَمَسه العمانيون ومعهم جوارهم القريب والبعيد، الأمر الذي جعل من الحدث علامة بارزة لا تغيب عن أيّ مُراقب يلحظ أوضاع السلطنة. أوضاعٌ رَصَدَها الخارج بمنظماته ومؤسساته الدولية التي تُعنَى بالتنمية، وتحقيق أفضل المستويات المدنية والأهلية التي ينالها الإنسان. التعليم، الصحة، التأهيل الاجتماعي، بناء طبقة تكنوقراط، رعاية الفُتُوَّة النابِهَة التي ستؤول لها مقاليد الأمور.

وفي تفصيل أوسع للنَّيْل الأول في السلطنة، يجب الانتباه إلى أمر بالغ الأهمية يتعلق بزعامات البلد السياسية. فحين تكون هذه الزعامات قادرة على استيعاب أكبر مساحة ممكنة من محيط الدولة الاجتماعي والثقافي والديني والسياسي فهي تمنح نفسها وسلطتها وبَلَدها نظاماً من الأمان يستعصي كَسْره أو الالتفاف عليه. أما حين يحدث العكس، فإن قيمة الأمن السياسي والاجتماعي تهتز في ظل تقليص مساحة ظلّ الحاكم على ذلك المحيط الواسع.

في حالة السلطنة، فإن قدرة جلالة السلطان قابوس بن سعيد على استيعاب ذلك المحيط الأوسع بدت قوية وظاهرة. مجتمعٌ وجغرافيا كانت تعتمل فيه سطوة القبائل إلى درجة كبيرة. كما أن النظام الثقافي والسياسي كان هو الآخر مبنياً على قيم شديدة الحساسية. كلّ ذلك كان ضمن ذلك المحيط الذي قدّره واحتواه جلالة السلطان منذ مجيئه إلى الحُكم. إنه بذلك يُعيد أكثر تجارب البشر حِكمة ونضجاً سواء في بُلدَان الشرق أو البلاد الأوروبية منذ عصر الأنوار.

أستحضر كيف كانت الملكة مارغريت وصيّة عرش النمسا ومعها إرَاسِم والأنسنيون المسيحيون تستوعب المحيط الديني والثقافي الذي كان ملتهِباً بفعل الصراع ما بين الكُرسي الرسولي والهراطِقة، وكيف انعكس ذلك على استقرار البلد. وأستحضر قوّة الملك الفرنسي هنري الرابع وقدرته على إصدار قرار نانت الشهير لكي تهجع صراعات المملكة المحتدمة بين الحركات المسيحية «الإصلاحية» وبين الكنيسة الكاثوليكية وحبرها الأعظم. وفي كِلتا الحالَتَيْن، فقد أثّرت قرارات وسلوكيات تلك الزعامات على استقرار بَلَدَيْهِما إلى حدّ النهضة.

خلاصة القول في هذه المفردة، هي أن الحاكِم المُتَسَيِّد صاحب الأفق الكبير، والرؤية البعيدة وسِعَة الصّدر (كما هو حال جلالة السلطان قابوس) تمنح البَلَد ضمانة أكثر من الأمن الاجتماعي، والتنمية الحقيقية وانتظامها المستمر. فالاستيعاب الشامل للمحيط الاجتماعي والسياسي والديني والثقافي هو كاستيعاب أكبر مساحة من الجغرافيا التي تُتيح للبُلدان عادة استحصال قدرة استراتيجية أمتن، وموارد طبيعية أكثر، وحدوداً جغرافية أكبر.

وفي التفصيل الأوسع للنَّيْل الثاني وهي الديمومة، فكلنا يَشْهَد الحال الذي كانت عليه عُمان قبل أربعين سنة. وهو ليس سِرَّاً على أحد. وعندما بدأت التنمية الاقتصادية والعُمرانية والسياسية والاجتماعية، قيل حينها، إن الرهان كبير، وإن شُحَّة الأرض، وافتقارها للبُنَى التحتية سيستهلِك الزَّخَم والإصرار العُمانِيَّيْن، إلاّ أن هذا القول أثبت عدم صحّته، فقد استمرّت التنمية ودَامَت رغم مُضي أزيد من أربعة عقود. وكان هذا تحدياً بحجم الصّخر.

لم يكن أحد يتصوّر قبل ذلك الوقت أن السلطنة ستفوز بالمركز الأول لأكفأ نظام صحي، وعربياً كنظام قضائي. ولم يكن أحد يتوقّع أن السلطنة سيكون بها مصادر متنوعة من الدخل. وأن الهيكلية القانونية والقضائية ومنظومة التشريعات ستصبح ناجزة.

لم يكن أهل ولاية صور يتخيّلون حينها بأن مُجمّعاً ضخماً للغاز الطبيعي المسال سيصبح واقعاً في قلهات. ولم يكن يَدُر في خَلَدِ أهل صلالة بأن ميناءً للحاويات سيكون على رصيف ساحلهم. ولم يكن أهل مسقط بعارفين أن منطقة صناعية كبيرة في الرسيل ستُدَشَّن، ومثيلٌ لها أيضاً في البريمي وصلالة وصور ونزوى. وأن الغاز سيصل إلى صحار. وأن مصانع داخلية ستُنشأ، وأن منتجات محليّة ستُصنّع، وأن تشريعات ضرورية ستُمنح لها.

ولم يكن العُمانيون في ذلك الأوان يعتقدون بأن بَلَدَهم سيكون الأول عربياً في تحقيق معدل نمو للناتج المحلي، وأن الواردات النفطية سترتفع إلى 101 في المئة. وأن عُمان ستنال الدرجة الأولى فيما خصّ التقييم الائتماني السيادي قصير الأجل. وأن الوضع الصافي لأصولها سيصل إلى 42 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وأن نسبة كبيرة من الأصول سائلة في الأوراق الحكومية وفي بنك التسويات الدولية وفي الخزائن حسب تقييم ستاندارد اند بورز. وأنه ووفقاً لمؤشر السلام العالمي «غلوبال بيس انديكس» ستكون عُمان الأولى في مجال السلم والاستقرار.

لم يكن أهل السلطنة ليتخيّلوا أن عُمان ستكون الدولة الأكثر أمناً في الشرق الأوسط وإفريقيا، وأنها حازت على المرتبة 25 من بين 140 دولة على مستوى العالَم، متقدمة بذلك على استراليا والولايات المتحدة الأميركية، بعد تطبيق المعايير الأربعة والعشرين الخاصة باحترام حقوق الإنسان، وانخفاض مستوى الجريمة، والسياسات الخارجية والداخلية الفاعلة، وبعثات حفظ السلام المعنية بها الأمم المتحدة. هذه أمور كانت بمستوى المأمول بالنسبة للعُمانيين وأصبحت اليوم ضمن المستوى المعقول والملموس والمُدرَك للجميع بلا استثناء.

في كلّ الأحوال، فإننا كخليجيين نَسْعَد لسلطنة عُمان في عيد استقلالها الأربعين ولسلطانها المعظّم. كما نَسْعَد لتنميتها والمراتب الدولية التي تبوّأتها. وهو باعتقادي اعتزاز ليس للعُمانيين فقط، وإنما لإخوانهم الخليجيين، الذين يتجاورون معهم في الجغرافيا والدين والعروبة ووحدة المصير.

بواسطة : الإدارة
 0  0  1383
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 19:36 السبت 3 ديسمبر 2016.